في الذكرى السادسة عشرة لسقوط بغداد

القسم: مقالات عدد الزيارات: 238 نشر بتأريخ: 15-04-2019, 20:08

نسرين شعيب
في الذكرى السادسة عشرة لسقوط بغداد،ثاني أكبر المدن العربية و بينما تواجه البلاد العربية أكبر تحدياتها ما بين ثورات و مطالب محقة لشعوب كسرت حاجز الخوف و تمردت على حكامها سعيا وراء واقع أفضل، و ما بين فوضى عارمة أغرقت المنطقة في متاهات حروب أهلية و أتون صراعات داخلية ، تتعدد و تتنوع الآراء ..و لكن ما هو مؤكد أن ما يسمى بالربيع العربي أو شرارة الثورات العربية لم تبدأ عندما أضرم البو عزيزي النار في جسده .  
لقد سقطت الأنظمة العربية ليلة سقوط بغداد أولى أهم مشاريع الغزاة و  ليس آخرها . يومها لم يسقط نظام الديكتاتور فقط بل سقط ما تبقى من الكرامة العربية..
ليلة سقوط بغداد،كانت ليلة سقوط منطقة الشرق الاوسط على صفيح نار حرب ساخنة ، تكونت حركاتها و تمددت في بواطن و دهاليز مكاتب صناع القرار الدوليين و ما نشاهده الآن ليس سوى رماد الاحتراق.
لقد حمل الغزاة شعارات حقوق الإنسان و نشر الديمقراطية، متحكمين بمصير الشعوب و مؤتمنين على ثروات بلادهم، فكان العراق ، بكل ما يكتنزه من غنى حضاري ثقافي و ثروات طبيعية و نفطية، وجهتهم الأولى ، فعمدوا بدل التنمية الى تدمير مفاصل الدولة من جيش و وزارات و إدارات و مرافق عامة و بنى اجتماعية و ثقافية تحت عنوان مباشر هو الهدم و التدمير لإعادة البناء..فالفوضى الخلاقة كما يسميها الأميركيون أصبحت نهجا سياسيا اعتمدوه منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية حتى أصبحت بالنسبة لهم استراتيجية أساسية للهيمنة و بسط النفوذ و تغيير المسار السياسي و الاستيلاء على ثروات الشعوب و ومقدراتهم .و اذا عدنا بالأحداث الى الوراء نجد أن النوايا الأميركية قد ظهرت جلية و تبلورت بوضوح خلال الاحتلال الأميركي للعراق عام  2003 فاستخدمت وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك كونداليزا رايس مصطلح نظرية الفوضى الخلاقة حيث نشرت الواشنطن بوست في  19 أبريل عام 2005 تقريرا مفصلا حول الحرب الأميركية على العراق فاعتبرت ان الفوضى ربما تنتج في النهاية وضعا أفضل مما تعيشه المنطقة حاليا،فباتت فكرة إعادة احتلال الشعوب العربية و تدريبها على الديمقراطية من أولويات الأجندة الأميركية لرسم خريطة الشرق الأوسط الجديد ،مع العلم أن خدعة تطبيق الديمقراطية لاحتلال الشعوب اعتمدت منهجية عمل منذ عهد الرئيس الأميركي رونالد ريغن عام 1983 و اعتمد الكونغرس خطة الشرق الأوسط الجديد منذ ذلك الوقت.
و لكي يستطيع الأميركيون تمرير فكرهم و تنفيذ مخططاتهم لإعادة رسم خريطة التركة الأنجلو عثمانية في البلاد العربية بما يتناسب مع مصالحهم الاقتصادية و السياسية   ، اختاروا مخطط ثورات الربيع العربي و استخدموا تنظيمات دينية كتنظيم الإخوان المسلمين و غيرهم من التنظيمات الجهادية الإسلامية  لتحقيق ذلك و طبعا كان ذلك بدعم و تمويل قوى إقليمية و دول عربية خليجية ..فمثلا جماعة الإخوان المسلمين كونها جماعة دعوية ، تستخدم العواطف الدينية لتحقيق إنجازاتها السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية في كل المجالات و كون الواقع العربي بما يجسد من ترد للأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية البائسة في معظم الدول العربية إضافة إلى الجهل السياسي و الثقافي و التأخر العلمي ..كل ذلك قد شكل عامل استثمار للجماعة و قياداتها للعمل السياسي و قلب انظمة الحكم مستغلة العواطف الجماهيرية الشعبية و نقمتهم على حكامهم، و هذا ما سهل صعود التيارات الإسلامية وقتها في تونس و مصر فمثلا في مصر قد صرح مرشد الإخوان المسلمين مهدي عاكف في ذلك الوقت لوكالة" الاسوشيتدبرس" أن الجماعة ملتزمة باتفاقية السلام مع إسرائيل في حال وصولها للحكم و كذلك الرسالة الشهيرة للرئيس السابق محمد مرسي في  19يوليو 2012 و التي وجهها الى شيمون بيريز و عنونها بقوله "عزيزي و صديقي العظيم"،فقد وجدت اميركا في الإخوان المسلمين الخيار الأنسب لتحقيق مشاريعها و طبعا تحدثنا هنا عن التجربة المصرية بشكل خاص.
أما في سوريا و العراق فقد زرعت الولايات المتحدة الأمريكية تنظيمات جهادية مسلحة كان أخطرها و أعنفها ما سمي بتنظيم الدولة الإسلامية-داعش،امتلكت داعش قدرات عسكرية هائلة و هيكلية تنظيمية توحي بأن هناك عقلا مدبرا قام بصناعتها و تمويلها بمساعدة قوى عربية خليجية كان  أبرزها السعودية بهدف استثمارها و قد ذكرت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون في كتاب مذكراتها "خيارات صعبة" و الذي صدر في  9أغسطس 2014 "أن إدارة أوباما قامت بتأسيس داعش بهدف تقسيم منطقة الشرق الأوسط".كما أنشأت اميركا و مولت بمساعدة تركيا و قطر فصائل جهادية مسلحة عديدة من بينها جبهة النصرة و التي كان لها دور كبير في السيطرة على مناطق و مساحات شاسعة و قد قامت بالعديد من الأعمال التدميرية و المجازر الدموية.
الآن و مع نهاية داعش عسكريا و انتهاء قوتها التدميرية في المنطقة ، هل سيكون هناك خلايا داعشية نائمة يمكن إيقاظها و استخدامها لزعزعة الأمن و الاستقرار الإقليمي و الدولي أم أن داعش سيبقى موجود أيديولوجيا و سيتم استنساخه في مكان و زمان آخر..
عمليا لقد  جنت إسرائيل أولى ثمار الربيع العربي و كان أهمه إعلان اميركا القدس عاصمة أبدية لإسرائيل مرورا بتصفية القضية الفلسطينية و ليس انتهاء بإهداء الجولان للصهاينة فما هو ثابت بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية  هو حماية المصالح الإسرائيلية و رعايتها.
 لقد استفاد  الاميركيون من الفشل السياسي للأنظمة العربية كما استغلوا  تعطش الشعوب العربية للديمقراطية فبعد أن عانت هذه الشعوب و رزحت تحت نير و استبداد أنظمتها الشمولية الديكتاتورية، وجدت في التحول الديمقراطي سبيلها و خلاصها نحو التحرر و العيش بكرامة و حرية .و ها هي المنطقة بأكملها تعيش أدق مراحل تحولها السياسي و اصعبها فالدول العربية بدأت تشتعل من تونس إلى مصر الى ليبيا فسوريا و اليمن ..لتدور في حلقة متكاملة من العنف و الصراع الدموي و التمزق و كل ذلك يحصل تحت مسمى  الربيع العربي .
  لقد سعى الغزاة الى ما يريدون و ما سرع من ذلك هو سهولة انهيار أنظمة الديكتاتوريات العربية الآيلة أصلا للسقوط تحت مطالب شعوبها و إرادتهم.
لكن ما هو لافت ، لماذا فضل الغزاة سقوط المنطقة في مستنقع فوضى على استمرار أنظمة الديكتاتوريات بكل ما تحمله من استبداد و تسلط و فساد؟!  أو ليست الصفقات تنجز و الخرائط ترسم على أنقاض الفوضى و الخراب..

اعلانات

اعلانات

استطلاع رأي

هل تعتقد ان الحكومة قادرة على حل المشاكل مع الاقليم ؟